فخر الدين الرازي

120

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

هذه الآية أن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه ، وانما يريدون حكم غيره ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : الزعم والزعم لغتان ، ولا يستعملان في الأكثر الا في القول الذي لا يتحقق . قال الليث : أهل العربية يقولون زعم فلان إذا شكوا فيه فلم يعرفوا أكذب أو صدق ، فكذلك تفسير قوله : هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ أي بقولهم الكذب . قال الأصمعي : الزعوم من الغنم التي لا يعرفون أبها شحم أم لا ، وقال ابن العربي : الزعم يستعمل في الحق ، وأنشد لأمية بن الصلت واني أدين لكم أنه * سينجزكم ربكم ما زعم إذا عرفت هذا فنقول : الذي في هذه الآية المراد به الكذب ، لأن الآية نزلت في المنافقين . المسألة الثانية : ذكروا في أسباب النزول وجوها : الأول : قال كثير من المفسرين : نازع رجل من المنافقين رجلا من اليهود فقال اليهودي : بيني وبينك أبو القاسم ، وقال المنافق : بيني وبينك كعب بن الأشرف ، والسبب في ذلك أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم كان يقضي بالحق ولا يلتفت إلى الرشوة ، وكعب بن الأشرف كان شديد الرغبة في الرشوة ، واليهودي كان محقا ، والمنافق كان مبطلا ، فلهذا المعنى كان اليهودي يريد التحاكم إلى الرسول ، والمنافق كان يريد كعب بن الأشرف ، ثم أصر اليهودي على قوله ، فذهبا اليه صلى اللَّه عليه وسلم ، فحكم الرسول عليه الصلاة والسلام لليهودي / على المنافق ، فقال المنافق لا أرضى انطلق بنا إلى أبي بكر ، فحكم أبو بكر رضي اللَّه عنه لليهودي فلم يرض المنافق ، وقال المنافق : بيني وبينك عمر ، فصارا إلى عمر فأخبره اليهودي أن الرسول عليه الصلاة والسلام وأبا بكر حكما على المنافق فلم يرض بحكمهما ، فقال للمنافق : أهكذا فقال نعم ، قال : اصبرا إن لي حاجة أدخل فأقضيها وأخرج اليكما . فدخل فأخذ سيفه ثم خرج إليهما فضرب به المنافق حتى برد وهرب اليهودي ، فجاء أهل المنافق فشكوا عمر إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فسأل عمر عن قصته ، فقال عمر : إنه رد حكمك يا رسول اللَّه ، فجاء جبريل عليه السلام في الحال وقال : انه الفاروق فرق بين الحق والباطل ، فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم لعمر : « أنت الفاروق » وعلى هذا القول الطاغوت هو كعب بن الأشرف . الرواية الثانية : في سبب نزول هذه الآية أنه أسلم ناس من اليهود ونافق بعضهم ، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضريا قتل به وأخذ منه دية مائة وسق من تمر ، وإذا قتل نضري قرظيا لم يقتل به ، لكن أعطي ديته ستين وسقا من التمر ، وكان بنو النضير أشرف وهم حلفاء الأوس ، وقريظة حلفاء الخزرج ، فلما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة قتل نضري قرظيا فاختصما فيه ، فقالت بنو النضير : لا قصاص علينا ، إنما علينا ستون وسقا من تمر على ما اصطلحنا عليه من قبل ، وقالت الخزرج : هذا حكم الجاهلية ، ونحن وأنتم اليوم إخوة ، وديننا واحد ولا فضل بيننا ، فأبى بنو النضير ذلك ، فقال المنافقون : انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي ، وقال المسلمون : بل إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى الكاهن ليحكم بينهم ، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية ، ودعا الرسول عليه الصلاة والسلام الكاهن إلى الإسلام فأسلم ، هذا قول السدي ، وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن . الرواية الثالثة : قال الحسن : ان رجلا من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق ، فدعاه المنافق